تقييم الأداء الوظيفي: رهان صعب تخسره معظم الشركات؟

يُعد تقييم الأداء الوظيفي حجر الزاوية في إدارة الموارد البشرية الحديثة. هو أداة استراتيجية تهدف لقياس الإنتاجية الفردية. كما يسعى لتطوير قدرات الموظفين. ويربط الجهد المبذول بالمكافأة العادلة. ويضمن بيئة عمل مبنية على الشفافية. لكن الواقع الميداني يرسم صورة مختلفة. فكثير من الشركات لا تزال تواجه تحديات جمة. وينتهي بها المطاف بفشل ذريع في تطبيق هذا النظام الحيوي.

هذا الفشل لا يقتصر على جانب واحد. بل يمتد ليشمل عدة محاور رئيسية. مما يحول التقييم من محفز للنمو إلى مصدر للتوتر. وفي هذا المقال، نحلل الأسباب الكامنة وراء هذه الإخفاقات المتكررة. ونقدم رؤى حول سبل تجاوزها.

من أداة تطوير إلى مجرد إجراء شكلي

في كثير من المؤسسات، تحول تقييم الأداء من عملية تطويرية عميقة إلى مجرد إجراء إداري روتيني. يُنظر إليه كنموذج يجب تعبئته في نهاية العام. هو مجرد متطلب إلزامي لإغلاق ملفات الموارد البشرية. أو قد يصبح وسيلة لتبرير قرارات اتخذت مسبقًا. هذه النظرة الشكلية تُفرغ التقييم من مضمونه الحقيقي. ويأتي هذا في وقت تحتاج فيه الشركات بشدة إلى آليات فعالة لتحسين الأداء المستمر. لا مجرد طقوس إدارية بلا أثر ملموس.

غياب المعايير الواضحة: وصفة للفشل

يُعد الافتقار إلى معايير واضحة وقابلة للقياس أحد الأسباب الأكثر شيوعًا للفشل. عندما تكون الأهداف غير محددة بدقة. وتظل مؤشرات الأداء فضفاضة وعامة. وتختلف المعايير من مدير لآخر. تفقد العملية برمتها مصداقيتها. بحسب تقارير متخصصة صادرة عن مؤسسات مثل Gartner، فإن 60% من الموظفين يشعرون بأن معايير التقييم غير واضحة. هذا الغموض يؤدي إلى تقييمات غير عادلة. وهي مرفوضة نفسيًا من قبل الموظفين. كما أنها لا تقدم أي قيمة حقيقية لتطويرهم.

التحيز البشري: شبح يطارد العدالة

مهما سعينا نحو الموضوعية، يبقى التقييم البشري عرضة للتحيزات. تلعب الانطباعات الأخيرة دورًا كبيرًا. فقد يطغى أداء آخر شهر على عمل عام كامل. تؤثر العلاقات الشخصية بشكل واضح في التقييمات. كما أن هناك مقارنات غير عادلة بين الموظفين. يضاف إلى ذلك، خوف بعض المدراء من إعطاء تقييمات منخفضة. وذلك لتجنب المواجهات أو المشاكل المحتملة. ويرى محللون أن هذا يحول التقييم من قياس موضوعي للأداء إلى انعكاس لمشاعر المدير الشخصية. ويضر بالثقة داخل فريق العمل.

ربط الأداء بالمكافآت فقط: فخ التوتر

عندما يرتبط تقييم الأداء بشكل حصري بالترقيات والعلاوات والمكافآت المالية. فإن الموظف يركز جهده نحو الحصول على درجة عالية. بدلاً من السعي نحو التطوير والتحسين المستمر. هذه العلاقة المعقدة تحول التقييم إلى مصدر للتوتر والقلق. لا فرصة للنمو المهني. الشركات التي تركز فقط على الجانب المالي، تخاطر بفقدان الرؤية الشاملة للأداء. وتفشل في تحفيز السلوكيات الإيجابية. وهذا يُعد رهانًا صعبًا على ولاء الموظفين ومشاركتهم الحقيقية.

ضعف تأهيل المدراء: نقطة ضعف محورية

يعاني العديد من المدراء من نقص التدريب اللازم على كيفية إجراء تقييمات فعالة. فهم لا يعرفون كيف يقدمون تغذية راجعة بناءة. قد يخلطون بين الأداء الوظيفي والسلوك الشخصي للموظف. أو يفتقرون للمهارات اللازمة لإدارة جلسات التقييم بكفاءة. النتيجة هي جلسات مليئة بالغموض. قد تكون مجاملة أو دفاعية. لا تخدم هدف التطوير. وتؤثر سلبًا على علاقة المدير بمرؤوسيه. وفقاً لمسح أجرته Harvard Business Review، فإن أقل من 30% من المدراء يشعرون بالثقة في قدراتهم على تقديم تقييمات أداء فعالة.

غياب المتابعة: نهاية المطاف بلا أثر

حتى في الشركات التي تنجح في إجراء تقييم الأداء بشكل جيد. غالبًا ما تغيب مرحلة المتابعة الحاسمة. لا يتم وضع خطط تطوير فردية واضحة. ولا توجد متابعة ربع سنوية أو نصف سنوية. كما لا يتم ربط نتائج التقييم ببرامج التدريب أو التطوير المستمر. يشعر الموظف حينها أن العملية انتهت لحظة توقيعه على التقييم. وهذا يهدر كل الجهود المبذولة سابقاً. ويُرسل رسالة سلبية مفادها أن التطوير ليس أولوية حقيقية للمنظمة.

مسارات نحو تقييم فعال: استراتيجيات النجاح

الشركات التي تنجح في تقييم الأداء تعتمد على نهج شمولي. أولاً، تحدد أهدافاً واضحة وقابلة للقياس. يجب الاتفاق عليها مسبقًا مع الموظفين. ثانياً، تعتمد معايير شفافة ومعلنة للجميع. ثالثاً، تُجري تقييمات دورية مستمرة. لا تكتفي بالتقييم السنوي فقط. رابعاً، تستثمر في تدريب المدراء على التقييم. هذا يشمل مهارات إعطاء التغذية الراجعة البناءة. خامساً، تفصل جزئياً بين التقييم والتعويض المالي. الهدف هو التركيز على التطوير لا العقاب. وفي خطوة تعكس التزامها بالنمو، تربط التقييم بخطط تطوير فردية ودورات تدريبية مستهدفة. هذه الاستراتيجيات تخلق ثقافة أداء إيجابية. وتدعم النمو المستمر للموظفين.

خلاصة القول: فشل تقييم الأداء الوظيفي ينبع من تحوله لإجراء شكلي، وغياب المعايير الواضحة، والتحيز البشري، والربط المفرط بالمكافآت، وضعف تأهيل المدراء، وتجاهل المتابعة. النجاح يتطلب نهجاً تطويرياً شاملاً وشفافية مستمرة.

إن مشكلة تقييم الأداء الوظيفي ليست كامنة في الفكرة بحد ذاتها. بل تكمن بشكل أساسي في طريقة التطبيق والتنفيذ. عندما يُستخدم التقييم كأداة للعدالة والشفافية والتطوير. يصبح حينها من أقوى أدوات إدارة الموارد البشرية. هو قادر على تحفيز الإبداع. ورفع الإنتاجية. وبناء بيئة عمل إيجابية. أما إذا استُخدم كإجراء شكلي. أو وسيلة للضغط. فسيبقى أحد أكثر الأنظمة التي تفشل فيها الشركات. ويهدر مواردها. ويؤثر سلبًا على معنويات موظفيها. فهل يمكن للشركات العربية أن تعيد تعريف علاقتها بتقييم الأداء. وتجعله محركاً حقيقياً للنمو؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *