في سعيها الدائم لتحسين الهوامش الربحية، تلجأ بعض الشركات إلى استراتيجيات تبدو للوهلة الأولى منطقية. ومن هذه الاستراتيجيات، تقديم رواتب وأجور تقل عن متوسط السوق. لكن، يرى خبراء إدارة الأعمال والموارد البشرية أن هذا التوفير الظاهري غالباً ما يتحول إلى عبء اقتصادي ثقيل على المدى الطويل. إنها خطوة تحمل في طياتها مخاطر جمة تهدد استدامة العمليات وقدرة المؤسسة على المنافسة.
يهدف هذا المقال إلى تحليل التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية لسياسة الرواتب المنخفضة. وذلك بالاستناد إلى رؤى متخصصة وتقارير سوق العمل.
استراتيجية الرواتب المنخفضة: توفير ظاهري وتكاليف خفية
تتبنى الشركات أحياناً مقاربة قائمة على توفير النفقات التشغيلية. الرواتب تُعد جزءاً كبيراً من هذه النفقات. تعتقد هذه الشركات أن دفع أجور أقل سيخفض التكاليف بشكل مباشر. لكن الواقع يثبت أن هذه المعادلة ليست بهذه البساطة. إنها رهان صعب على الموظفين قد يكلف أكثر مما يوفر.
تشير دراسات حديثة في سوق العمل إلى أن الشركات التي تعتمد هذه السياسة تواجه تكاليف غير مباشرة أعلى. هذه التكاليف تشمل ارتفاع معدلات دوران الموظفين، وتكاليف التوظيف والتدريب المستمرة. ويرى محللون أن هذا النهج يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
نزيف الكفاءات: الخسارة الأغلى
تعد خسارة الموظفين الأكفاء من أخطر تداعيات الرواتب المتدنية. الموظفون المتميزون هم دائماً الأكثر طلباً في السوق. هم من يبحثون عن فرص أفضل للنمو المهني والمادي. عندما لا تجد هذه الكفاءات التقدير المالي المناسب، فإنها لا تتردد في الانتقال. وهذا ما يؤدي إلى نزيف حقيقي للمواهب. قد تصل معدلات دوران الموظفين في هذه الشركات إلى 30% سنوياً. وهذا يفوق بكثير المتوسطات العالمية.
في خطوة تعكس ضعف التخطيط، تخسر الشركة استثمارها في تدريب وتطوير هؤلاء الموظفين. كما تفقد المعرفة المؤسسية القيمة التي يمتلكونها. ويأتي هذا في وقت تحتدم فيه المنافسة على استقطاب أفضل العقول في شتى القطاعات.
تداعيات داخلية: انهيار الروح المعنوية وإنتاجية متدنية
لا يقتصر تأثير الرواتب المنخفضة على الموظفين المغادرين. بل يمتد ليشمل الموظفين الباقين أيضاً. هؤلاء يواجهون عبئاً متزايداً في العمل. فهم يضطرون لتغطية مهام زملائهم الراحلين. يؤدي ذلك إلى ارتفاع مستويات الإجهاد والإرهاق. كما تتراجع الروح المعنوية بشكل ملحوظ. تنخفض مستويات الرضا الوظيفي. تتأثر إنتاجية الفريق ككل. فالعمل في بيئة كهذه يصبح أقل جاذبية وأكثر ضغطاً.
وبحسب تقارير متخصصة في إدارة الموارد البشرية، فإن الموظف غير الراضي أقل التزاماً بالعمل. وهذا يؤثر سلباً على جودة الأداء وخدمة العملاء. وبالتالي، تتأثر سمعة الشركة في السوق على المديين القصير والطويل.
معركة التوظيف: جذب المواهب في سوق تنافسي
بعد رحيل الكفاءات، تواجه الشركات تحدياً كبيراً في استقطاب بدائل مناسبة. فالسوق مليء بالفرص. الموظفون المحتملون أصبحوا أكثر وعياً بالرواتب المنافسة. هم يبحثون عن بيئات عمل تقديرية. الشركات ذات الرواتب المتدنية تجد صعوبة بالغة في ملء الشواغر. وقد يستغرق الأمر أشهراً للعثور على المرشح المناسب. وهذا يؤدي إلى فترات طويلة من الشواغر الوظيفية. تترجم هذه الشواغر إلى خسائر في الإيرادات وفرص ضائعة. كما أن تكلفة توظيف بديل قد تتجاوز 150% من الراتب السنوي للموظف المغادر. وهذا يشمل تكاليف الإعلان، المقابلات، والتدريب.
سمعة المؤسسة: ركيزة أساسية للنمو
السمعة عامل حاسم في عالم الأعمال الحديث. الشركات التي تُعرف بدفع رواتب متدنية تتضرر صورتها كصاحب عمل. هذه السمعة السلبية تنتشر بسرعة. خاصة مع انتشار منصات تقييم أصحاب العمل عبر الإنترنت. تصبح الشركة أقل جاذبية للمواهب الجديدة. قد تواجه صعوبة في بناء شراكات استراتيجية. كما تؤثر على علاقتها مع العملاء والمستثمرين. فالاستثمار في الأفراد يعكس قيم الشركة ورؤيتها. وبناء سمعة طيبة كصاحب عمل يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين. يمكن لسياسات الرواتب السيئة أن تدمرها في وقت قصير.
الرؤية المستقبلية: استثمار في رأس المال البشري
إن النجاح طويل الأمد لأي مؤسسة يعتمد على جودة رأس مالها البشري. دفع رواتب تنافسية ليس مجرد تكلفة. بل هو استثمار استراتيجي. إنه يجذب أفضل المواهب ويحتفظ بها. يعزز الولاء والإنتاجية والابتكار. الشركات الذكية تدرك أن الموظفين السعداء والملتزمين هم المحرك الحقيقي للنمو والابتكار. ويأتي هذا في ظل اقتصاد عالمي سريع التغير يتطلب مرونة وكفاءة عالية.
المصدر: منشور على LinkedIn للمهندس محمد نوّار، بتاريخ 14 أبريل 2021.
