
في عالم الأعمال المعاصر، تتسابق الشركات لجذب أفضل الكفاءات والحفاظ عليها. ولكن، تظهر مفارقة غريبة في سياسات الموارد البشرية. تتجلى هذه المفارقة حين تتردد بعض الشركات في تلبية طلب زيادة رواتب متواضع لموظف كفؤ. ثم تقوم لاحقًا بدفع مبالغ أكبر بكثير لتوظيف بديل له. هذا السيناريو ليس نادرًا، بل هو مشهد يتكرر في العديد من المؤسسات.
هذا القرار لا يمس الموظف المعني فحسب. بل يؤثر سلبًا على استراتيجية الشركة على المدى الطويل. ويقلل من قدرتها التنافسية. إنه رهان صعب ينتهي غالبًا بخسارة مزدوجة.
مقدمة عن المفارقة في سياسات الرواتب
تُعنى الشركات بوضع هياكل رواتب محكمة. تهدف هذه الهياكل إلى ضمان العدالة الداخلية والقدرة على المنافسة خارجيًا. ومع ذلك، تشهد الممارسات الفعلية فجوة واضحة. هذه الفجوة تظهر بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة. فالكفاءات المتميزة تمثل العمود الفقري لأي مؤسسة. الاستثمار فيهم يجب أن يكون أولوية قصوى.
يرى محللون أن تجاهل قيمة الموظف الحالي خطأ استراتيجي. إنه يفتح الباب أمام نزيف الكفاءات. يؤدي هذا النزيف إلى تكاليف خفية وظاهرة. تلك التكاليف تفوق بكثير الزيادة المطلوبة. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه حدة المنافسة على المواهب.
قصة الموظف الذي طلب زيادة 3000 ريال
لنتخيل سيناريو متكرر في بيئات العمل. موظف متفوق، ذو خبرة واسعة وإنجازات ملموسة. يتقدم بطلب لزيادة راتبه الشهري بمبلغ 3000 ريال سعودي. هذا المبلغ قد لا يمثل نسبة كبيرة من ميزانية الرواتب الإجمالية للشركة. ولكنه يعني الكثير لذلك الموظف. قد يعكس هذا الطلب ارتفاعًا في تكاليف المعيشة. أو رغبة في تقدير يتناسب مع حجم مساهماته.
تُقابل هذه الرغبة أحيانًا بالرفض. يبرر الرفض بعبارات مثل “الهيكل التنظيمي لا يسمح”. أو “السياسات الداخلية تمنع هذه الزيادة”. يشعر الموظف بالإحباط. يجد نفسه في مفترق طرق. هذا يدفعه للبحث عن فرص أخرى.
في خطوة تعكس سوء تقدير، يغادر هذا الموظف الشركة. تبدأ رحلة البحث عن بديل. وهنا تظهر المفارقة الصارخة. تدفع الشركة مبالغ تفوق الزيادة المطلوبة لتوظيف شخص جديد. قد يكون هذا الشخص أقل خبرة وكفاءة. أحيانًا يكون الراتب الجديد للبديل أعلى بكثير من راتب الموظف المغادر. وهذا يشمل الزيادة التي رُفضت.
تكاليف توظيف موظف جديد مقابل الاحتفاظ بالحالي
إن تكلفة فقدان موظف كفؤ ليست بسيطة. إنها تتجاوز مجرد الفارق في الراتب. هناك مجموعة من التكاليف المباشرة وغير المباشرة. هذه التكاليف غالبًا ما تُهمل في الحسابات الأولية.
- تكاليف الإعلان والتوظيف: تشمل رسوم نشر الإعلانات على المنصات المتخصصة. قد تتراوح هذه الرسوم من مئات إلى آلاف الريالات. وذلك حسب مدى الوصول ومدة الإعلان.
- تكلفة عملية الاختيار: تستغرق هذه العملية وقتًا وموارد من فريق الموارد البشرية والمديرين. يشمل ذلك فرز السير الذاتية، إجراء المقابلات، وتقييم المرشحين. تُقدر التكلفة بساعات عمل ثمينة.
- تكلفة الـ Recruiter والتدريب: تكلفة الـ Recruiter والتدريب تعتمد العديد من الشركات على وكالات التوظيف الخارجية (Recruiters). هذه الوكالات تتقاضى نسبة تتراوح بين 15% إلى 25% من الراتب السنوي للموظف الجديد. على سبيل المثال، إذا كان الراتب السنوي 120 ألف ريال، فقد تصل عمولة الوكالة إلى 30 ألف ريال. وهذا يعادل عشرة أضعاف الزيادة التي طلبها الموظف السابق. بالإضافة إلى ذلك، هناك تكاليف التدريب والتأهيل للموظف الجديد. يحتاج الموظف الجديد إلى وقت لتعلم سياسات الشركة وأنظمتها وثقافتها. يحتاج أيضًا إلى التدريب على الأدوات والبرامج المستخدمة. تستغرق هذه العملية أشهرًا. وخلال هذه الفترة، تكون إنتاجية الموظف أقل من المتوقع. وتتطلب استثمارًا من وقت المديرين والموظفين الآخرين.
- فترة فقدان الإنتاجية: حتى بعد التوظيف، يمر الموظف الجديد بفترة تأقلم. خلال هذه الفترة، تكون إنتاجيته أقل. يُقدر البعض أن الموظف الجديد يحتاج من 3 إلى 6 أشهر ليبلغ مستوى الإنتاجية الكاملة. هذا يعني خسارة في العمل المنجز. وقد تُترجم هذه الخسارة إلى مبالغ كبيرة.
- تكاليف الأخطاء المحتملة: قد يرتكب الموظف الجديد أخطاءً في بداية عمله. هذه الأخطاء قد تؤدي إلى تكاليف إضافية. قد تشمل إعادة العمل أو فقدان عملاء. أو حتى الإضرار بسمعة الشركة.
كل هذه التكاليف مجتمعة تجعل قرار رفض زيادة 3000 ريال يبدو غير منطقي من الناحية الاقتصادية. كم مرة رفضت شركتك زيادة بسيطة ثم دفعت أضعافها لاحقًا؟ إنه سؤال يستحق التأمل.
الأثر النفسي على الموظفين المميزين
يتجاوز تأثير رفض الزيادة الجانب المالي. إنه يمس الجانب النفسي والمعنوي للموظف. يشعر الموظف الكفؤ الذي يُرفض طلبه بعدم التقدير. يرى أن جهوده وولاءه لم يُكافآ بشكل عادل. هذا الشعور يقتل الحافز لديه. ويقلل من ولائه للشركة.
- الإحباط وفقدان الشغف: يفقد الموظف شغفه بالعمل. تقل رغبته في بذل جهد إضافي. يبدأ في أداء مهامه بالحد الأدنى المطلوب. وهذا يؤثر على جودة العمل بشكل عام.
